كان العرب في الجاهلية في طور البداوة وحالاتهم الاجتماعيه وأخلاقهم ومزاياهم بدوية محضة , ومن هنا كل ما تذكره كتب الشعر والتاريخ عن عرب الجاهليه فهو ينطبق جله على البدو في مختلف العصور وحتى على بدو عصرنا الحاضر .
فما قيل في وصف الحالات الاجتماعيه و الأخلاق و المزايا عند عرب الجاهليه وهذا ما ذكره ابن عبد ربه في كتابه (العقد الفريد) في فصل : وفود العرب على كسرى , عن الخصال التي كانت تفتخر بها عرب الجاهلية , وقد سردها النعمان بن المنذر أمام كسرى حينما مدح هذا كل الأمم في عصره وذم العرب , وإننا نقتطف منها ما يلي :
قال كسرى : " لم أر للعرب شيئا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا , ولا حزم ولا قوة , ومما يدل على مهانتها وصغر همتها محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة والطير الحائرة , يقتلون أولادهم من الفاقة , ويأكل بعضهم بعضا من الحاجة , قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشاربها ولهوها وملذاتها , فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الابل التي يعافها كثير من السباع , لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها , وإن قرى أحدهم ضيفا عدها مكرمة , وان أطعم أكلة عدها غنيمة , تنطق بذلك أشعارهم وتفتخر بذلك رجالهم ".
فكان مما قاله النعمان جوابا لكسرى : " العرب لم يطمع فيهم طامع , ولم ينلهم نائل , حصونهم ظهور خيلهم , ومهادهم الارض , وسقوفهم السماء , وجنتهم السيوف , وعدتهم الصبر وليس أحدا من العرب الا يسمي آباءه أبا فأبا , حاطوا بذلك أحسابهم , وحفظوا به أنسابهم , فلا يدخل رجل في غير قومه , ولا ينتسب إلى غير نسبه ,ولا يدعي إلى غير أبيه , وأما سخاؤهم فإن أدناهم رجلا الذي تكون عنده البكرة والناب , عليها بلاغه في حموله وشبعه وريه , فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة , ويجتزىء بالشربة فيعقرها له , ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثه وطيب الذكر , ثم خيلهم أفضل الخيل , ونساؤهم أعف النساء , ولباسهم أفضل اللباس , ومطاياهم التي لايبلغ على مثلها سفر ولا يقطع بمثلها بلد قفر , وأما وفاؤهم فان أحدهم يلحظ اللحظة , ويومىء الإيماءة فهي ولث وعقدة لا يحلها الا خروج نفسه , وإن أحدهم يرفع عودا من الارض , فيكون رهنا بدينه فلا يغلق رهنه , ولا تخفر ذمته , وإن أحدهم ليبلغه أن رجلا استجار به وعسى أن يكون نائيا عن داره فيصاب , فلا يرضى حتى يفني تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته , لما خفر من جواره ، وإنه ليلجأ اليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة فتكون انفسهم دون نفسه وأموالهم دون ماله , وأما قولك أيها الملك : يئدون أولادهم فأنما يفعله من يفعله منهم بالاناث أنفة من العار وغيرة من الازواج . وأما قولك : إن أفضل طعامهم لحوم الابل على ما وصفت منها , فما تركوا ما دونها الا احتقارا له , فعمدوا إلى أجلها وأفضلها , فكانت مراكبهم وطعامهم مع أنها أكثر البهائم شحوما , وأطيبها لحوما , وأرقها ألبانا وأقلها غائلة وأحلاها مضغة , وانه لا شيء من اللحمان يعالج به لحمها الا استبان فضلها عليه , وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضا , وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم و يجمعهم , فانما يفعل ذلك من يفعله من الامم إذا أنست من نفسها ضعفا , وتخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف , وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم فيلقون إليهم أمورهم وينقادون لهم بأزمتهم , وأما العرب فان ذلك كثير فيهم حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين .................... إلى آخر ما قال " .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق